سلسلة إعداد القادة
الحلقة الرابعة
التنظيم الإداري
يعتبر العمل الإسلامي عملا جماعيا لا يمكن أن ينجح إلا وفق نظام وتنظيم يؤدي إلى تحقيق الهدف المنشود, أما النظام فقد بينه الله في محكم كتابه الكريم وسنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، وأما التنظيم فهو مستلهم من السيرة النبوية المطهرة وسيرة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، والتنظيم لا يكون إلا بوجود قيادة مسؤولة، ونظام أساسي ينظم العلاقات بين القيادة ومن تحتها، ويحدد المسؤوليات والواجبات، ويبين الوسائل المحتاجة لإدارة الجماعة .
مبادئ التنظيم الإداري:
1. مبدأ ضرورة التنظيم:
يعتبر التنظيم ضرورة لازمة لكل جهاز إداري لتنفيذ السياسات وتحقيق الأهداف وفق هيكلية مبنية على أساس من التخطيط السليم، فللكون نظام، وللعبادات والمعاملات تنظيم، وفي هذا تتجلى آيات الخالق في تنظيمه الدقيق، وترتيبه البديع، وتنسيقه الكامل بين مخلوقاته.
أيضا نلمس التنظيم في السنة النبوية المطهرة، حيث يقول عليه الصلاة والسلام): إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح، دلالة على ضرورة الإمرة ولو كانت طارئة أو مؤقتة، وذلك لتنظيم شؤون السفر، كذلك تتجلى ضرورة التنظيم في الصحيفة التي كتبها النبي عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار من جهة، وبين يهود يثرب من جهة أخرى، وذلك فور وصوله إلى المدينة المنورة ليرسم بذلك اسلوب ونظام العمل بين جميع فئات المجتمع .
2. مبدأ وحدة الهدف:
الهدف في النظام الإسلامي واحد، وهو تنفيذ ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه، متقيدا في ذلك بالمقاصد الشرعية المؤدية بالتالي إلى سعادة المجتمع في الدارين، وهو الهدف المنشود .
3. مبدأ التخصص وتقسيم العمل:
عمل الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا المبدأ في وصفه أصحابه قائلا:(أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله أبي، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) رواه الإمام أحمد، فهؤلاء هم رجال الإدارة والقضاء والفقه والقرآن.
4. مبدأ الأهلية لدى الرئيس والمرؤوس:
اوجب الله تعالى طاعة أولي الأمر على جميع المسلمين في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) النساء: من الآية59، لكن ليس لولي الأمر طاعة في معصية الله ورسوله إنما الطاعة في المعروف لقوله عليه الصلاة والسلام:(لا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) رواه مسلم، إذن أداء الوظيفة خدمة عامة لا تسلط فيها ولا تحكم من قبل الولي وإنما هي أداء بمعروف وخدمة بإحسان، أما المسؤولية فتقع على عاتق الفرد لقوله تعالى:(كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) الطور:21، وقوله:(وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الأنعام: من الآية164، أما من ناحية التدرج في الأعمال والوظيفة فقال تعالى:(وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً) الزخرف: من الآية32.
5. مبدأ تدرج السلطة:
كان الرسول عليه الصلاة والسلام إمام المسلمين وهو يمثل رأس السلطة العليا يعاونه في إدارة شؤون المسلمين من يختارهم من المسلمين الأوائل يشاورهم في الأمر ويعهد إليهم مهام معينة وأعمال محددة دائمة كانت أم مؤقتة ويلقي عليهم بالمسؤولية في التنفيذ كل حسب مقدرته وكفائته ملتزمين بالأوامر متفانين بالتنفيذ لتحقيق مصالح الجماعة امتثالا لقوله تعالى:(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) الأنعام: من الآية165.
6. مبدأ وحدة القيادة ووحدة الأمر:
الأصل في القيادة أن تكون فردية، مما يجعل لها سرعة الحركة والقدرة على تصريف الأمور الأفراد الذين يعملون تحت إمرة القائد يجب ان ينفذوا ما يأمرهم به ما لم يأمرهم بمعصية بيقين، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والقيادة يفرضها النظام الإسلامي حفاظا على وجود الجماعة وتماسكها واستمرارها لتحقيق الأهداف المنشودة، وتتجسد القيادة الإسلامية المثلى في مخاطبة الله عز وجل لرسوله محمد عليه الصلاة والسلام قائد الأمة الإسلامية:(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) آل عمران: من الآية159.
يتفرع عن وحدة القيادة مبدأ وحدة الأمر وليس معنى ذلك أن لا توجد سلطة أخرى تصدر الأوامر وإنما معناه عدم تعدد السلطات التي تصدر الأوامر في وحدة إدارية واحدة وفي اختصاص واحد، لان الازدواج الرئاسي يؤدي إلى النزاع والفوضى مما يعوق تنفيذ العمل، حيث أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يترك أحدا يدعي لنفسه حقا في إقامة الحدود أو يحل محل السلطان من غير المختصين بذلك .
7. مبدأ التفويض :
كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفوض سلطاته على ولاة الأقاليم بشرط أن يعملوا بما يأمرهم به، وإلا يخرجوا عن التعاليم الإسلامية ,وكان يحذر عليه الصلاة والسلام الحذر الشديد عند التفويض في المهام لمن يمت لنا بصلة قرابة أو نميل له، فقد قال في الحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه :(من ولي من أمر المسلمين شيئا فآثر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله،لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم).
يوجد في العملية الإدارية أسلوبان من أساليب الإدارة يحددان درجة تفويض السلطة الممنوحة للمرؤوس في الهيكل التنظيمي، فهناك المركزية الإدارية، ويُقصد بها تجميع صلاحيات اتخاذ القرارات في يد شخص واحد في التنظيم بحيث يصبح هو المتصرف في جميع الأمور .
وهناك اللامركزية وهي انتشار صلاحية اتخاذ القرارات في أكثر من جهة أو إدارة أو شخص .ويُقصد بصلاحية اتخاذ القرارات، ممارسة الوظائف الرئيسة للإدارة من تخطيط وتنظيم وقيادة ورقابة، ولا يوجد في الواقع العملي مركزية إدارية مطلقة أولا مركزية إدارية مطلقة بل هناك درجات مختلفة من المركزية أو اللامركزية .
وتزداد الحاجة إلى اللا مركزية كلما تعددت خدمات التنظيم وانتشرت الوحدات والفروع والأقسام الإدارية التابعة للجهاز الإداري في أجزاء البلاد كافة بحيث يصعب إدارة جميع الأعمال من المركز الرئيسي .
مركز الأنصار
للبحوث الإستراتيجية
لجماعة أنصار السنة
12 رجب 1431هـ
24 حزيران 2010 م
|