بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
يسر المكتب الإعلامي لجماعة أنصار السنة أن يقدم الوصية السادسة عشر الجزء السادس من الاعتصام بالكتاب والسنة، من سلسلة وصايا الأمير والتي هي بعنوان:
((( معرفة مراتب الأدلة )))
بقلم الشيخ
أبي وائل أمير الجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، المبتدعة والمشركين، أما بعــد .
فأعلم أخي المجاهد، هداك الله ورعاك، أن من أصول أهل السنة والجماعة، الطائفة المنصورة، جعلني الله وإياكم منها، كما أسلفنا في الوصية السابقة، ألاعتصام بالكتاب والسنة، فهما حبل الله المتين، وسبيل النجاة من عذابه المهين، وسبب الألفة بين المؤمنين، وهو المراد بقوله سبحانه:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) آل عمران 103، وبقوله تعالى:( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) الأنعام:153.
لا بد لضبط منهج الاعتصام بالكتاب والسنة من معرفة مراتب الأدلة الشرعية، وتقديم الدليل الأعلى على الدليل الأدنى في القوة والحجية، بخلاف أهل البدع والضلال فهم يقدمون الدليل الأدنى على الدليل الأعلى منه، بل يقدمون أحيانا ما لا يصلح أن يكون دليلا على نصوص الوحي المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك يدخل في أصل حرمة التقديم بين يدي الله ورسوله.
والأدلة الشرعية المتفق عليها بين علماء الأمة التي تؤخذ منها أحكام الشريعة تكون على الترتيب التالي :
·نصوص الوحي من الكتاب والسنة وفهمها على ما فهمه سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وتابع التابعين وأئمة الدين المعروفين بالإتباع لمنهج السلف الصالحين، المجانبين لأهل الأهواء والبدع في الدين .
فالكتاب والسنة صنوان كلاهما وحي من الله، لا يختلفان ولا يتعارضان، فالقرآن حروفه ومعانيه من الله ، والسنة معانيها من الله وألفاظها من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي التفريق بينهما، كحال القرآنيين وأمثالهم، يقول صلى الله عليه وسلم:( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ، لا يوشك رجل شبعان على أريكته ــ سريره ـــ ، يقول عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ، ولا كل ذي ناب من السبع ، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه ــ يضيفوه ــ ، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه ) أبو داود وأحمد.
والسنة هي الحكمة المذكورة بقوله تعالى:( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) آل عمران:164.
قال الشافعي رحمه الله:( سمعت من أرضي من أهل العلم بالقرآن يقول الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخرج بأسانيده عن الحسن وقتادة ويحيى بن أبي كثير أنهم قالوا الحكمة في هذه الآية السنة ).
والذين يعتبرون السنة مرتبة ثانية في الاستدلال بعد القرآن، فإن لا يجدوا دليلا من القرآن، نظروا في السنة، يستدلون بحديث ضعيف جاء فيه:( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء، قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله، قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ) رواه أبو داود والترمذي وضعفه الألباني .
ومما ورد في موسوعة الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآتي: والمقصود بالسنة هنا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريراته، فالصحابة والتابعون وتابعوهم ومن سار على نهجهم يؤمنون بهذا الأصل الذي هو سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ويوجبون العمل والاحتجاج بها، ويعتبرونها مصدرا مستقلا في التشريع، فلا يجب عرض ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم على القرآن، بل يجب اتباعه وطاعته مطلقا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكنولقد كان من مظاهر ذلك الإجماع الاعتناء بسنته وحفظها ونقلها، وتعليمها في كل عصر من العصور.(ج 4 / ص 256) .
·الإجماع، فالمعتبر منه إجماع الصحابة في أمور العقيدة والعبادات، والأحكام الشرعية، أما فقه النوازل ( الواقع ) فيعتبر فيه إجماع العلماء في أي عصر من العصور .
· القياس الصحيح المستند إلى الأدلة الشرعية من كتاب الله وما صح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
وتوجد أدلة أخرى اختلف جمهور المسلمين في الاستدلال بها، منهم من قال بحجيتها ومنهم من أنكرها، ومن هذه الأدلة: الاستحسان، والمصلحة المرسلة، والاستصحاب، والعرف، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا .
لا بد لمعرفة الأدلة الشرعية ومراتبها، من معرفة الأمور التالية:
1.الأدلة الشرعية جميعها ترجع إلى الأصل الأول، القرآن والسنة، والتي يجب أن تفهم نصوصهما بما فهمه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فهم أعلم الخلق بالمراد منها، لقرب عهدهم بالتنزيل، ففي ذلك سد لباب التحريف والتلاعب بالأدلة الشرعية، فمن سلك سبيلا غير سبيلهم في فهم النصوص الشرعية، لا يسلم من الانحراف عن الحق وجادة الصواب، يقول الشيخ محمد خليل هراس في شرحه للعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية:( وهذا هو المنهج الوسط والصراط المستقيم الذي لا يضل سالكه ولا يشقى من اتبعه، وسط بين من يتلاعب بالنصوص فيتأول الكتاب وينكر الأحاديث الصحيحة، ولا يعبأ بإجماع السلف، وبَيْن من يَخْبط خَبْط عشواء فيتقبل كل رأي ويأخذ بكل قول، لا يفرق في ذلك بين غث وسمين وصحيح وسقيم ) .
2. لا يجوز تقديم دليل على آخر أقوى منه، فضلا عن ما هو ليس بدليل ، فبعض الناس يخالفون الكتاب والسنة إلى قول فلان من الفقهاء تعصبا، أو إذا وافق هذا القول هواهم أو هوى من يفتونه، وكذلك لا يعارض القرآن أو حديث صحيح بحديث ضعيف أو قياس، بحجة أن حديث الآحاد يفيد الظن لا اليقين، فيجب وضع الأدلة في مواضعها من حيث الاحتجاج ، فلا نقدم دليلا على آخر أقوى منه، ولا نقدم اجتهادا على نص، لقول الله تعالى:( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) النساء:65.
3. بعض الناس يستدل بما هو ليس بدليل أصلا، في التحليل أو التحريم، والأحكام الشرعية الأخرى، إذ لا اعتبار لها في الفعل أو الترك أو الإباحة ، كاستدلالهم بالرؤيا ، والكشف، وحديث النفس ( الإلهام )، والكشف ( الكرامات )، واستحسان العقل واستقباحه الذي هو وذهب المعتزلة، والاحتجاج بالكثرة، وبتقليد الآباء والأسلاف، وبعمل الصالحين وبخاصة العلماء ، قال ابن كثير رحمه الله: ( وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وكذا قال آخر: أنا آخذ عن قلبي عن ربي، وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع، ونسأل الله الهداية والتوفيق ) فتح الباري 1 ص 222.
وخلاصة هذا الأصل، هو أنه يجب على المسلم أن يُمَيِّز بين ما هو حجة شرعية (دليل معتبر) فيعمل به، وما ليس بحجة فلا يلتفت إليه، ثم عليه أن يعرف بعد ذلك مراتب ما يحتج به، حتى لا يقدم ما يجب تأخيره منها ولا يؤخر ما يجب تقديمه .
المكتب الإعلامي
لجماعة أنصار السنة
24 رجب 1431هـ
6 تموز 2010 م
|